Showing posts with label التاريخ يعيد نفسة. Show all posts
Showing posts with label التاريخ يعيد نفسة. Show all posts

Sunday, May 11, 2008

لم يعد هناك ما يقدمه الحاكم سوى أن يبارك خلع نفسه

إنه التاريخ ما سيجعلني أموت قهرًا ، ولا أدري لما كلما قرأت أو شاهدت موقف تاريخي تأخذني حماسة التفكير والإسقاط..

بما أن الجميع مكتئب ومنقهر ويشعر بحرقة الدم..فلنرفه عن أنفسنا قليلاً -لو كان يسمى ما سيعرض الآن ترفيه بس عدوها- ونعرض مشهد من مسلسل صلاح الدين الأيوبي.. المشهد بين الخليفة الفاطمي (العاضد لدين الله) و وزيره –في ذلك الوقت -(صلاح الدين الأيوبي) ،لمن لا يطيق التاريخ دعوني أعطي فقط نبذة بسيطة عن الفترة التاريخية ..

كان العالم الإسلامي به خلافاتان، الخلافة العباسية التي تحكم العراق والشام والحجاز ،والخلافة الفاطمية التي تحكم مصر والمغرب العربي ..ولكل من الخلافتين خليفتين -زي قلتهم- مجرد عرائس ماريونت موضوعين على العروش لمصالح آخرين ليس لهم من الأمر شيء .. ففي بغداد يحكم الخليفة (المستضيء بنور الله) ،وهو الخليفة رقم ثلاثة وثلاثون من خلفاء العصر العباسي، ويتبع العصر العباسي الثاني بعد أن تحولت الخلافة العباسية إلى مجرد ديكور وتقليد ، والخلفاء إلى مجرد أسم يدعى له على المنابر بينما يتحكم في الدولة قوى خارجية –ألا يذكرنا ذلك بشيء؟؟- وفي عهد (المستضيء) كانوا المتحكمين هم السلاجقة الأتراك .

أما على عرش الخلافة الفاطمية كان يجلس (العاضد لدين الله) أخر خلفاء الدولة الفاطمية بعد خلافة دامت قرنين من الزمان.. وهو لا يختلف في شيء عن الخليفة العباسي فكان ببساطة ألعوبة بين يدي وزرائه الذين يحكمون الدولة بأسمه وينكلون بالشعب المصري أسوء تنكيل و يسرقون ثرواته و قوت أبنائه ويعطونها للفرنجة (على وجه التحديد (أمرليك) ملك القدس- أو محتل القدس بمعنى اصح) فقط كي يحموا مناصبهم وكراسيهم ويجعلوا الفرنجه يثبتوهم على مقاعدهم – مره أخرى أقول ما أشبه الليلة بالبارحة- ...

ولكن هناك في الشام كان السلطان (نور الدين زنكي) ، سلطان مجاهد لا يهمه من أمر السلطة شيء سوى توحيد الأمة من اجل استعادة القدس وإخراج الفرنجة من بيت المقدس والساحل والدول التي أخذها الفرنجة في حملتهم الأولى, و من رجاله (صلاح الدين الأيوبي) الذي سافر مع عمه (أسد الدين شيركوه) لمصر في مهام يطول شرحها ولكن خلاصتها هي عدم تمكين الفرنجة من اخذ مصر والسيطرة عليها وضم جهود مصر للشام من أجل تحرير بيت المقدس ، وبعد موت (أسد الدين) أصبح (صلاح الدين) هو سلطان مصر والمتصرف في شؤونها و وزير العاضد،وأصبح عليه أن ينهي الخلافة الفاطمية ويجمع الأمة على خلافة واحد –حتى لو كانت صوريه- ويقطع الخطبة عن (العاضد) ويدعو في المساجد (للمستضيء بنور الله) الخليفة العباسي ، ليعلن أن مصر قد دخلت تحت سلطان الخلافة العباسية مرة أخرى، و ليتحد مجهود بلاد الشام ومصر ومن ورائهما العراق لقتال الفرنجة..

المشكلة كانت أن (صلاح الدين) رغم كل شيء أشفق على الخليفة (العاضد) وأحبه ، فالتاريخ نفسه يذكره بأن (العاضد) كان طيب القلب –على عكس البعض هنا- و انه كان ذكي ولماح ولكن صحته كانت معتلة وشاءت الظروف أن يأتي في نهاية العصر الفاطمي بعد أن نخر سوس الفساد والتسلط وموالاه الأعداء –مرة أخرى تذكرني كل كلمه بأشياء كثيرة؟؟ فهل يتذكرها أحدكم؟- في جسد الخلافة الفاطمية.. وآهل كل ذلك الطريق تمامًا لسقوط دوله وقيام أخرى ،بعد أن أصبح المصرين لا يطيقون الفساد الذي استشري في الخلافة الفاطمية في نهاية تاريخها..

الخلاصة أن خلع (العاضد) كان أمر يصعب على نفس (صلاح الدين) رغم اقتناعه وقتها أن ذلك لمصلحة الأمة.. ولكن يبدو أن الخليفة الفاطمي كان يتمتع بحق بالضمير الحي و ببقايا من حياء أمام نفسه ،و شعور بالمسئولية أمام الأمة التي يحكمها و الشعب الذي ضاق تحت الظلم الذي يعانيه –يبدو انه كان مازال صنف الحكام ذوي الدم متواجد في ذلك العصر- فقد أدرك الخليفة أنه أخر رجال دولته و أنه نهاية عصر ، و أن الدولة تحتاج إلى شخص أخر ذو ضمير حي و ذو فكر حقيقي ..

و أن الدولة تحتاج إلى العدل والأمان ، تحتاج أن تحافظ على خيراتها ولا تهدرها لأعدائها ،تحتاج أن تأخذ موقف من هؤلاء الأعداء وتؤكد سيادة الأمة ، من أجل كل ذلك أرسل في البداية لـ(نور الدين زنكي) ليرد الفرنجة عن مصر وهو يعلم ما في ذلك من خطر على سلطانه ، وماذا يعني هذا من تهديد لعرشه ولكنه لم يوافق على ترك مصر نهبًا للأعداء ، ثم عين (أسد الدين شيركوه) ومِن بعده (صلاح الدين الأيوبي) كوزير له ومتصرف بالدولة وهو يعرف أن هذا يسحب سلطانه تمامًا تقريبًا ، وينهي دولته وحُكمه ولكنه كان وصل لمرحله حاسمه أما كرسيه و إما مصر والأمة من ورائها..

فأجاد الاختيار رغم كل ما وصف به من ضعف، وفي النهاية لم يجد ما يقدمه لمصر و الأمة ولـ(صلاح الدين) –بما انه أضعف من أن يملك شيء- سوى أن يُحله من عهده و أن يخبره بأنه يسامحه عندما يخلعه (صلاح الدين) وهو يعلم انه سيفعل ..

ها هو خليفة ضعيف في دوله أفل نجمها وانتهى مجدها ولكن لديه من الضمير الوطني والإنساني ما دعاه في لحظة حاسمه أن يـُقدم مصلحة الأمة والشعب على مصلحته الشخصية وبقائه في كرسيه وبقاء دولته..

وكان يمكنه أن يعزل (صلاح الدين) و أن يجيش الجيوش ضده ، ومصر في هذا العصر كانت الدولة الأغنى بين الدول العربيه والأكثر عددًا و عُده –ترحموا على هذه الأيام- كان بإمكانه أن يستعين بالأعداء كما يفعل البعض ، ليبقوه فوق كرسيه وعرشه ويورثوا سلفه كرسي العرش ليـُكمل الخلافة الفاطمية.. كان يمكن على الأقل أن يجعل الأمر أصعب على (صلاح الدين) بتهيج من حوله ضده ..

ولكنه آبى حتى أن يترك (صلاح الدين) لتردده وتأنيب ضميره .. وصمم أن ينهي حياته نهاية تستحق أن نذكره بخير في التاريخ.. فلقد قدم مثال يا ليت يـَحتذي به الكثيرون..

فلو لم يعد هناك ما يستطيع الحاكم أن يقدمه لوطنه، ياليت يكون من الضمير الحي و الصدق مع النفس بأن يفعل ما فعله (العاضد) ويبارك خلعه بنفسه فهذا ادعى لاحترامه على الأقل..ولكن من يسمع ومن يفهم ومن يحس؟؟!

و كملاحظة لمن يريد فضوله أن يعرف ماذا حدث بعد ذلك؟؟ فلقد أصر (نور الدين) على سرعة خلع (العاضد) وامتثل في النهاية (صلاح الدين) وخلعة وقد كان (العاضد) مريض ولم يبلغوه بكونه قد خلع حتى مات بعدها بثلاثة أيام وهو يظن انه مازال الخليفة وإن أعتقد الكثيرون أنه بذكاءه قد عرف أن (صلاح الدين) قد خلعه قبل موته.. و دُعي في المنابر للـ(مستضيء بنور الله) وتوحدت الأمة تحت خلافة واحده اسمًا وتحت سلطان (نور الدين) فـ(صلاح الدين) فعلاً ..حتى تمت معركة حطين ثم دخول بيت المقدس.

و بالمناسبة لتكتمل حدوتة الخلافة، ففي عهد المغول سقطت وانتهت الخلافة العباسية على يد (هولاكو) وقُتل الخليفة العباسي الأخير-قبل عودتها صوريًا في عصر المماليك- (المستعصم بالله) -الحفيد الثاني للـ(مستضيء بنور الله)- عندما لفه المغول في سجادة القصر و داسوا عليه بأقدامهم حتى قتلوه.


لن استطيع أن أرحل دون أن أعطيكم فرصه لكي تروا المشهد التمثيلي المميز بأعينكم –رغم سوء التسجيل قليلاً- ولذا قمت بتفريغ الحوار كتابتًا أيضًا لتتمكنوا من متابعته ، ولونت الأجزاء الهامة من وجهة نظري بألوان مختلفة..




((تفريغ الفيديو))

العاضد: قل لي يا صلاح الدين، هل رأيت الخليفة العباسي؟ هل صاحبته؟

صلاح الدين: لم أرى خليفة من بني العباس في حياتي قط يا أمير المؤمنين.

العاضد: أنا أحسن حظًا منه إذن ، فلست وزيري فقط ،إنما أنت صاحبي وأقرب الناس ألي.

صلاح الدين: أنا أقل من ذلك واهون يا أمير المؤمنين، إنما أنا خادمك ومملوكك.

العاضد: وصاحبي؟! هذا أهم .... لم تصحبه ولم تره ، فهل تحبه؟

صلاح الدين: العفو يا مولاي؟!

العاضد: خليفة بغداد ، هل تحبه؟

صلاح الدين: لا تنعقد المحبة بغير الصحبة يا مولاي.

العاضد: بلى ..بلى ، هذا شأن الرجل و الرجل في مألوف الحياة، ولكن شأن الخلفاء والسلاطين والملوك مختلف، يحبهم الناس أو يكرهونهم دون مخالطته ولا صحبه، ها أنت قد احبك المصريون كما احبك أهل الشام، بما رأوه من عملك وخبروا من سيرتك، فأنزلوك في قلوبهم قبل كرسي الوزارة .. فهل تحبه؟؟!

صلاح الدين: لم أفكر فيه يومًا بمعنى الحب أو البغض، إنما هو الخليفة.

العاضد: الخليفة؟؟!!

صلاح الدين: اعني خليفة بغداد ومن تبعه من المسلمين يا مولاي.

العاضد: وأنت؟ يا صلاح الدين؟

صلاح الدين: ماذا عني يا أمير المؤمنين؟

العاضد: هه أمير المؤمنين ..لا ليس من العدل أن أحرجك بالسؤال فأنت وزيري .. ولكن الفقهاء مازالوا يقولون لا يجتمع خليفتان، ألا يقولون ذلك؟

صلاح الدين: بلى يقولون.

العاضد: وماذا تقول أنت؟

صلاح الدين: لست فقيهًا يا مولاي.

العاضد: ولكنك تقف عند رأي الفقهاء؟ أليس كذلك؟

صلاح الدين: لقد جُهدت يا مولاي و آن وقت راحتك.

العاضد: أترك لخليفتك أن يقرر وقت راحته، إلا أن تكون قد مللت صحبة مولاك.

صلاح الدين: العفو يا مولاي.

العاضد: لا ..لن أرهقك بالسؤال فلا تتعجل الخروج.

صلاح الدين: سأبقى مع مولاي حتى يأذن لي.

العاضد: ولكن ماذا فعل الخليفة العباسي أكثر مما فعلت؟ إن قيل إني خليفة ضعيف وليس لي من الأمر شيء فماذا للخليفة العباسي أكثر مما لي؟ هل له من نور الدين أكثر من الخطبة والدعاء؟ أسم مجرد أسم، يعتاش على مجد قديم موروث، وتقليد آلفه الناس عبر العصور حتى صار عندهم ناموس من نواميس الطبيعة الثابتة، وحسبوه جزءًا من ميزان الشريعة.. بل من ميزان الكون.

صلاح الدين: هون عليك يا مولاي.

العاضد: أنا لا أقول هذا عن خليفة بغداد الآن إلا بالقدر الذي أقوله عن نفسي.. نعم نفسي ،دعني أكشف لك عن ما في أغوار صدري العميقة ، عن الحقيقة المستورة في ذلك المكان المنزوي البعيد الذي نحيطه بالحجب الكثيفة، كي نخفيه عن الناس، بل لنخفيه عن أنفسنا، ومع الزمن نصدق الخرافة التي اصطنعناها عن أنفسنا نحن الخلفاء أبناء الخلفاء ،كي نعطي حكمنا قوة الشرع وحكم الدين ،وحين نخلو إلى النساء والشراب والمعازف، ننسى ذلك كله، كأنه قد رفعت عنا التكاليف التي فرضت على العامة ،فنحن خاصة الخاصة، نحن الخلفاء ..والخلافة دين ،فنحن إذن من الدين مهما فعلنا، نحن سيف الله .. فإن قتلنا لم نُسأل لما و فيما ؟ فقد قتل الله بنا ، فإذا حكمنا فقد حكم الله بنا، ومن خالف حكمنا فقد خالف حكم الله ،نحن حجاب الخفاء ونور التجلي، نحن من يـُصرف الله من خلالهم شئون الدنيا، فلا يخلوا منا الكون إلا أن تقوم القيامة ويستدير الزمان على نهايته.. أنظر من حولك، هل كان الرسول العظيم يرضى أن يقيم في قصر مثل هذا مع خدمه وجواريه وحشمه وذهبه؟ هل هذا ما سما به الأئمة الطاهرون حتى أسكنهم الناس قلوبهم؟ أم سموا بحفظ ناموس الشريعة ومناهضة الظالمين والانتصار للمحرومين؟ فما الذي يجعلني وخليفة بغداد أحق بالخلافة منك؟ .. نعم منك.. أو من نور الدين؟ ما الذي يجعل سلطانك أو سلطانه محتاجان إلى رضانا وبركتنا ومرسومنا؟ فإن كان السلطان بالسيف فأنتم أهل السيف لا نحن، وإن كان بحق الجهاد فأنتم أهله لا نحن، وإن كان بالدين فأنتم أحسن منا دينا، وإذًا فقد أستوى حالي و حال خليفة بني العباس ... أخيرًا قلتها، لا أصدق إني قلتها، ما زال يحوك في نفسي منذ أمد بعيد وينغص عليّ عيشتي، ولكني قلتها ، هذه لحظة كشف دونها كشف الصوفية، هل تدرك الآن مدى محبتي لك يا صلاح الدين؟ ما كان يمكن أن أقدم على هذا البوح حتى أمام نفسي، ولكني بحت به أمامك. وأجدني الآن خفيفًا كنسمة ريح ، لمن دور اللعب الآن؟ قد نسيت.

صلاح الدين: ألا تظن يا مولاي أن الجهد قد بلغ منك؟

العاضد: ليس بعد .. فكما قيل ،حين يأتي الصباح يحمد القوم السرى ،وسوف يأتي عليّ صباح ثقيل ،حين أعرف أن صاحبي وأخي وحبيبي و وزيري وصاحب عهدي صلاح الدين، قد خلعني وقطع الخطبة عني..

صلاح الدين: مولاي..

العاضد: ستفعل لا ريب ،كلانا يعرف هذا، هون على نفسك، اعلم من الآن إني أسامحك، أعرف أنه لا مفر لك من ذلك وإنك تكابد فيه كما أكابد، وصدقني إني مشفق عليك منه، كما اعلم إنك تشفق عليّ منه، وإنك قد أحببتني على الحقيقة حبًا لا يمكن أن تدخر مثله للخليفة العباسي الذي لم تخالطه ولم تصحبه، و أنا كذلك قد أحببتك على الحقيقة حبًا مجردًا من الغرض، حب الصاحب والخليل، ربما أردت أن أحرجك به أول الأمر، ولكنه انتهى حبًا صادقًا غير مشروط، أعلم إذن أني أحلك .. هذا أخر ما يمكنني أن أمنحك إياه تعبيرًا عن محبتي، ولكن تمهل عليّ ما استطعت فأنا مودعًا لا محالة، دعني أمت وأنا أمير المؤمنين، ولا أحسب أن عليك أن تنتظر طويلاً ، وهو أهون عليك و أهون عليّ ، فهل هو مطلب كبير يسألك إياه مولاك أمير المؤمنين؟ ..نتركها على حالها، لا غالب ولا مغلوب، فإذا كتب الله ،عدنا واستأنفنا من حيث وصلنا ،أعطني ذراعك لا تتركني حتى تراني وضعت في فراشي.



Wednesday, April 16, 2008

عن حرب البسوس والطغاة في كل الأزمنة

أعتقد أن من يعرفني الآن يعرف ولهي المرضي بقصيدة "لا تصالح" حتى إنني قد بدأت بها هذه المدونة ،ولكني في تعرفي على القصيدة قرأت الصيغة الأدبية التي صيغت عليها القصيدة أو التي اقتبستها القصيدة -بمعنى أصح- من ملاحم التاريخ لتأخذها هيكل لبنائها، وهي ملحمة "حرب البسوس" الحرب التي دامت 40 عامًا من أجل ناقة ، وتبدأ القصيدة بأن (كليب وائل) وهو يموت كتب بدمه على الحجر ليوصي أخاه (الزير سالم) بوصية على شكل قصيدة من عشرة أبيات وبعيدًا عن العشرة أبيات الحقيقيين التي تنقلها لنا ملحمة "الزير السالم" بالفعل كتب (أمل دنقل) رائعته لا تصالح ،طوال عمري كنت أقرا القصيدة وأقلبها في عقلي على الفور لأفك رمزيتها المباشرة بلا عناء ، مَن قتلوا (كليب) هم أشارة مباشرة لإسرائيل ، ولذا داخل عقلي كإسقاط طبيعي كنت كلما تذكرت ما وصلني من الملحمة الحقيقة أشعر بكراهية شديدة لـ(جساس) بن مره قاتل كليب.

وقد أثرت القصيدة المستوحاة من الملحمة بي بشكل عكسي فجعلتني أفسر الملحمة نفسها على أساس القصيدة وليس العكس، ربما حدث هذا لأنني في الحقيقة لم أكن في البداية قد قرأت الملحمة مطلقًا ومعرفتي بها مجرد معرفة سماعية عن (حرب البسوس) التي قـَتل بها (جساس) أبن عمه ومليكه (كليب وائل) بناقة ثم ثأر اخو (كليب) (الزير سالم) من قاتل أخيه وقبيلته في حرب دامت 40 عامًا ، كانت هذه هي معلوماتي كلها عن الملحمة وكنت كلما تذكرتها أو قرأت القصيدة أصب جام غضبي على (جساس) وغدره الذي غدر بـ(كُليب) الملك العربي الأصيل، ولكن منذ فترة قررت أن أبحث عن الملحمة الأصلية لأقرئها ، فقرأت النسخة الشعرية منها و قرأت النسخة التي تحولت مع الوقت لحدوته أو رواية سردية فانتازية بعض الشيء ، ثم بعدها بفترة رأيت المسلسل السوري الذي أخرجه المخرج المتميز (حاتم علي) والذي اختلفت بعض أحداثة مع النسخة التي قرأتها للملحة ولكن بعد البحث اكتشفت أن هناك أكثر من نسخة عن ذات الملحمة يختلفوا عن بعضهم البعض في بعض التفاصيل التي لا تُخل مطلقًا بالسياق العام .

وهنا بدأت أجدني تلقائيًا كلما تقدمت في القراءة أو المشاهدة أزداد تعاطفًا مع (جساس) و أزيل عنه الصفة التي ألصقتها به منذ صغري ظلمًا وعدوان، أنه المعادل الموضوعي لإسرائيل في الملحمة إنه كذلك في قصيدة (أمل دنقل) ولكن في الملحمة الآمر يختلف تمامًا ، من قرأ الرواية أو شاهد المسلسل سيعرف كيف أن (وائل بن ربيعة) العربي المعتد بذاته وبقبيلته بعد أن قاد القبيلة في حرب محدودة ضد ظلم وتجبر (لُبيد) عامل الملك (الكندي) ثم نصره متميز على (التُبع اليماني) ملك اليمن نتيجة لتجبره أيضًا فقام هو –(كُليب)- و أفراد قبيلته على قدم المساواة في الحرب و مواجهة الموت واقتسام المهام من أجل شرف (الجليله) خطيبته وابنة عمة ، كيف انه بعدما عادوا منتصرين قدروا به ملكاته في القيادة ونصبوه عليهم ملكًا ، رغم كونه ليس أكبرهم عمرًا، حتى هنا والأمر مثالي وجميل ، إلا أن شخصية (وائل) الذي كُني بعد المُلك بـ(كليب) قد تمحورت وتطورت وتحول شيئًا بشيء إلى طاغية يمنع الجميع عن مورد الماء في البداية عادا عائلته وعائلة عمه الذين هم في ذات الوقت أهل زوجته كمجاملة لها ، و كيف يمنع إضرام النار في أي بيت دون إذن منه حتى لو كان ذلك لأداء واجب الضيافة اتجاه ضيف طرأ على إحدى عائلات العرب ونحن نعلم ماذا عنى إكرام الضيف للعرب قديمًا، و كيف منع الصيد في حماه بل وتكبر على أبناء عمومته حينما رغبوا في مصاهرته والزواج من أخته بحجة إنهم ليسوا كفأ لمصاهرة ملكًا و أن أخواته كأخوات ملك لا يتزوجن إلا الملوك .

بل ذهب إلى حد الاستهانة بمن هم أكبر منه عمرًا ولهم مكانة عالية بين العرب مثل عمه (مُره بن ذُهل) أو (الحارث بن عُباد) ومحاولات إجبارهم على أن يكونوا طوع أمره وألا يخالف أحد رأي له ، حتى لو كان خاطئ ، لا شخص قريب ولا بعيد يستطيع ذلك حتى أخاه (سالم) المُكنى بـ(المهلهِل) ، ونشأت المشكلة الرئيسية عندما أرادات (البسوس) خالة أبناء عمومته وأصهاره في أن تجعل ناقتها (سراب) ترعى مع القطعان ،وبصرف النظر عن كون (البسوس) كانت لديها أغراض أخرى خبيثة من الانتقام والدس، إلا أن حماقة (كُليب) بغروره ورؤية أن آراءه لا تُرد وأنه لا يخطأ إلى أخر كل أعراض جنون السلطة قد جعلته يصل لمنع الناقة من أن ترعى وللانتقام من أبناء عمومته وأصهاره لأنهم لا ينصاعوا له كما يريد –رغم انصياعهم الكامل له في الحقيقة- إلى حد منعهم من الرعي مع قطعانه هم أيضًا بل منعهم تمامًا من موارد المياه المتواجدة في حماه حتى كادت تنفق قطعانهم .

كل هذا و (مُرة بن دهل) عمه يغالب هذا القهر صابرًا متعللاً مرة بالقرابة والدم ومرة بالمصاهرة والنسب ومرة بالمُلك والمكانة ، محاولاً تهدئة أبناءة التي كانت تثور حميتهم مع كل مرة يـُظهر بها (كُليب) استهانته بهم ويتأجج غروره ، وكان أكثرهم عدم صبرًا على الإهانه وعلى هذه المعاملة هو (جساس) الذي أخذ يرغي ويزبد وهو يتواثب غضبًا كلما حدث موقف يشي بامتهان (كُليب) لهم ،و في النهاية بعد أن منعهم (كُليب) من الماء قرر (جساس) أن يجير الناقة (سراب) وهو ما يعني عند العرب أن هذه الناقة في حماه من يعتدي عليها كأنه اعتدى على من أجارها ، وهنا أقسم (كُليب) انه لو حاولت الناقة أن تقترب من المرعى لترعى أو من المورد لتشرب ليضرب ضرعها بالسهم طالما حماها (جساس) ، فأقسم (جساس) إنه لو مس الناقة سوءًا ليضرب (كُليب) برمح في ظهره ،وهكذا أشطاط (كُليب) غضبًا وبمجرد أن رأى الناقة ترعى قام بضربها بسهم قاتل في ضرعها ثم ربط سائسها من يديه ليجره خلف حصانه فوق الأرض على طريقة فيلم (الأرض) الشهيرة، وبالطبع لم تصمت (البسوس) بل جعلت من الأمر مناحة محققه وهي تندب ناقتها وتندب (سعد) سائسها وتندب حظها الذي جعلها تأتي هنا حيث لا أحد يمكنه أن يجيرها قائلة:


أيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل فإني في قوم عن الجار أمواتي
ودونك أذوادي إليك فإنني محاذرة أن يغدروا ببنياتي
لعمري لو أصبحت في دار منقذ لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي
ولكنني أصبحت في دار معشر متى يعد فيها الذئب يعدو على شاتي.


وهكذا أخذت تزيد من ثورة (جساس) الثائر أصلاً فيعلن انه سيأخذ بـ(سراب) ناقة البسوس جمل (كُليب) (علال) ،ولو كان هذا قصده لكان الرجل كريم في رأيي (وعداه العيب) ناقة بجمل، ولكن رغم انه لم يعني ذلك إلا أن (كُليب) قرر في غطرسة وتحدي أنه لا احد يجرؤ على الاقتراب من جمله وانه سيطلق (علال) ليرعى وإن أقترب منه (جساس) ليقتل (علال) ثأرًا لـ(سراب) فسيقوم هو بقتل (جساس) ثأرًا لجمله، وزاد هذا من غضب (جساس) أن يعتبره (كُليب) لا يساوي سوى جمل، ولكن الحقيقة أن (جساس) كان يشغل الجميع بما فيهم أباه وأخوته ليحاولوا حماية (علال) جمل (كُليب) اتقاءً لغضبه.

و قام هو بتتبع (كُليب) حتى لقاه ليبدأه بحوار ، والحقيقة أن كل المصادر التي قرأت بها القصة يظهر منها أن (جساس) كان قلقًا ومترددًا حتى في عملية قتل (كُليب) فثورة الكرامة داخلة هي ما دفعته لذهاب لـ(كُليب) ولكنه كان يعلم انه ليس ندًا له، ولم يكن في واقع الأمر يريد أن ينتهي الصراع بقتل أبن عمه وزوج آخته ومليكه بقدر ما كان يرجوا –في رأي الشخصي- في أن يتخلى (كُليب) عن غروره يعترف أن هؤلاء بشر لهم كرامة و انه أخطا في حقهم، ولذا نجد أن (جساس) يبدؤه بالسؤال عن سبب منعه الماء عنهم وسبب قتله للناقة ، فما يكون من (كُليب) إلا أن يسخر منه ، وقد كان سخر منه في البداية عندما رآه يقبل قائلاً له بأنه لا يساوي شيء في معيار الفرسان ، وعندما زادت ثورة (جساس) وهدد (كُليب) بأنه سيقتله ما كان رد فعل (كُليب) سوى أن هزأ من (جساس) متهمًا إياه بأنه لا يستطيع و أن اقل من 40 فارسًا يحاولوا قتله لا يتلفت لهم (كُليب) وهذا قمة الصلف و الغرور .

ورغم ذلك أخذ (جساس) يحذره مرة بعد الأخرى فما كان من (كُليب) سوى أن استدار له بجواده معطيه ظهره مستهينًا به إنه لن يستطيع فعل شيء،و هكذا ببساطه رفع (جساس) رمحه وضرب به (كُليب) في ظهره بل وعندما سقط وطلب شربة ماء اخبره (جساس) بأنه قد منعهم الماء فليس له أن يعطيه الماء الآن ، و لم يكتفي الأخ (كُليب) بذلك بل كتب بدمه بالفعل عشرة آبيات كوصية لأخيه (الزير سالم أبو ليلى المهلهِل) يوصيه بها ألا يضيع الثأر و ألا يصالح و أن يفنى قبيلة (بكر) قائل بها:


هديت لك هديه يا مهلهل عشر أبيات تفهمها الذكاة
أول بيت أقوله أستغفر الله إله العرش لا يعبد سواه
وثاني بيت أقول الملك لله بسط الأرض ورفع السماه
وثالث بيت وصي باليتامى حفاظ العهد ولا تذكر سواه
ورابع بيت أقول الله اكبر على الغدار لا تنسى أذاه
وخامس بيت (جساس) غدرني شوف الجرح يعطيك النباه
وسادس بيت قلت الزير خي شديد البأس قهار العداه
وسابع بيت سالم كون رِجال لآخذ الثار لا تعطي وناه
وثامن بيت بالك لا تخلي لا شيخ ولا كبير ولا فتاه
وتاسع بيت بالك لا تصالح وأن صالحت شكوتك للإله
وعاشر بيت أن خالفت قولي فأنا وياك إلى قاضي القضاة


والحقيقة أن (سالم) كان عند حُسن ظن أخيه لدرجة ربما لم يتوقعها (كُليب) نفسه فكاد يُفني (بكر) و (تغلب) –قبيلتهم- تمامًا وقد قال عندما علم بموت (كُليب) :

كـليب لا خير في الدنيا ومن فيها
إن أنـت خليتـها فـيمـن يخليها
ليت السماء على من تحتها وقعت
وعادت الأرض و انجابت بمن فيها


وقَتل (المهلهِل) في هذه الحرب كل من يمكن أن يقتله مِن مَن يحبهم من أهله ومحبيه صديق عُمره (همام بن مره) و أبناء أخته (شيبان) و (شيبون) حتى تسبب في قتل صديقه الوحيد (آمرؤ القيس بن أبان) ، 40 عامًا من القتل و التاريخ يمجد (الزير السالم) و يذم (جساس) و يصفه بأنه غدار وقتل (كُليب) ظُلمًا ، الصراحة حتى ثُلثين الملحمة لم استطيع أن امنع ذاتي من تشجيع (جساس) واعتباره الرجل الوحيد في الرواية الذي شعر بأن لدية كرامه و انه لن يصبر على المهانة ، الرجل الوحيد الذي رفض التجبر والظلم ، طبعًا كان هذا قبل أن يأتي الوقت الذي يختفي به (الزير سالم) ويستطيع (جساس) السيطرة وأخذ المُلك ليفعل ما يفعلوه الثوار غالبًا للأسف لقد تحول إلى طاغية أخر حتى ليجعلك الأمر تضرب كفًا بكف كيف أستطاع أن ينسى ما فُعل به؟! كيف حوله المُلك والسطوة لطاغية كالذي قتله بيده وكيف مارس بالضبط -ربما بقسوة أشد- ما كان يثور عليه؟

لذا عندما وصلت لنهاية الملحمة وقُتل (جساس) لم أتأثر به كثيرًا، رغم كوني مازلت أرى أن الرجل قد ظُلم في التاريخ والأدب فهو لم يفعل في البداية سوى أن ثار لكرامته، وصراحة بعد كل هذا الظلم والغباء والدماء أجد أن أروع ما في هذه الملحمة هو أن كل من بها تقريبًا قد ماتوا (كُليب) و (جساس) و (سالم) ومن ساندوهم ومن ساند من ساندوهم وحتى من اعتزلوا الحرب ماتوا أيضًا، وكلاً من الرؤوس الكبيرة كلما امسك أحدهم بزمام الأمور تحول إلى طاغية حتى يزيحه أخر .. مِن ما جعلني في النهاية احمد الله على موتهم و أقول (جتهم البلا ، بركه أنهم كلهم راحوا في داهية) ، وأكتفي بقراءة لا تصالح وأعود لوضع الإسقاط على إسرائيل على الأقل هذه عدو واضح لا يحتاج لتحليل لتكرهه بكل ما بك من قوة.