Showing posts with label أكتوباريات. Show all posts
Showing posts with label أكتوباريات. Show all posts

Monday, October 6, 2008

تهاويم وذكريات أكتوبرية – ناصر ، السادات ، بابا ، ماما

عشت عمري بأكمله احتفل بيوم 6 أكتوبر، كنت طفلة غريبة للغاية لا تهتم كثيرًا بشراء بلالين –ممنوع الضحك- أو سماع أغنية أو أي مظهر من مظاهر الفرحة في الأعياد العادية، ولكن كنت أحرص على ذلك منذ الصغر في يوم 6 أكتوبر ثم طوال شهر أكتوبر، الحقيقة إنني كنت دائمًا أقول أن لدي شهران ونصف في العام اشعر إنهم عيد وأنني سأطير فرحًا بهم، شهر رمضان و شهر أكتوبر و 15 يوم معرض الكتاب..


وكان شهر أكتوبر له استعدادات خاصة ، فيجب أن أشتري كتاب خاص عن حرب أكتوبر من المعرض- بعيدًا عن كل الكتب التي أشتريها في المعتاد ولكن هذا الكتاب أشتريه من اجل الاحتفال بنصر أكتوبر- لا أمسه سوى مع 1 أكتوبر ، لأبدأ مع أول يوم من أيام هذا الشهر الاحتفال بقراءة المزيد عن أبطال الحرب..


لقد نشأت وترعرعت-حلوة ترعرعت دي قوي- في منزل حالته السياسية صعبة للغاية ، أم ناصرية وأب ساداتي، وللأسف ماما انشغلت بعد فترة بتربيتنا أكثر من الحالة الناصرية، يبدو أن تريبتنا كانت صعبة للغاية حتى أنست الست أسمها فلم تعد تذكر شيء عن عبد الناصر لا بالخير ولا بالشر لعدة سنوات، على العكس من الوالد (فاضي بقى معندوش طبيخ وغسيل وتربية عيال)، كان حالته مع السادات مستعصية للغاية ولا أمل في علاجها فهو يحب الرجل حقًا، وطبعًا بما أن الوالد كان يقوم بفعل غسيل المخ اليومي في عقلي عن السادات (هو ده الغسيل الوحيد ألي كان بيعمله) فلقد كبرت وأنا أحب السادات دون أن أعرف عنه أكثر مما يقوله الوالد دائمًا وأبدًا، طبعًا كان هذا في فترة طفولتي الأولى عندما كانت كافة قراءتي تتعلق بميكي جيب و تعلوب و أرنوب وكتب الأدب الروسي للأطفال التي تمدني بها ماما وغيرها من الكتب البسيطة الظريفة ، ولكن بمجرد أن وصلت لسن يسمح لي أن أقرا أنا ما أريد بدأت في القراءة عن السادات وعبد الناصر والثورة و أكتوبر وبدأت أشعر بأن بابا يبالغ قليلاً، م أفهم كل شيء أقرئه حقًا ولكن ليس الرجل بهذه الروعة التي يصف، مع الوقت بدأت اشعر إنني بكل بساطة لا أستلطفه، لماذا لا أدري ؟


لم تكن سني وقتها تسمح بأن أقرأ كتب من العيار الثقيل أو أن أقرأ بلغة أخرى غير العربية ولكن من الأشياء القليلة التي قرأتها ومن بعض شرائط الفيديو التسجيلية التي وقعت عليها يدي لم أحب الرجل،ولكني كنت أقصر الشر ولا أذكر هذا لبابا خاصة وهو من يدفع ثمن الكتب يعني.. وراحت الأيام وعدت الأيام و تغيرت خريطتي العقلية بعدها لقد قرأت الكثير و شاهدت الكثير و كرهت السادات أكثر وأكثر و أحببت حرب أكتوبر أكثر وكلما أحببتها وتعمقت في تفاصيلها أكتشف كيف أضاع السادات هذا النصر العظيم بحق، كيف تسبب في الثغرة و كيف ألحق النصر بعار كامب دايفيد، طبعًا لا داعي أن احكي عن أن حياتي مع الوالد تحولت لحالة من الترصد الطريف، كلما ضايقني في شيء أجد الفرصة في الرد علية عبر ذكر أحد مساوئي السادات من وجهة نظري ليشيط والدي الحبيب و نبدأ مناظرة حادة يخبرني بها في النهاية انه لم يعرف كيف يربيني، الظريف إنني بداية كنت حريصة على ألا انزلق في الطبيعة المصرية الصرف أن من يحب السادات يكره ناصر والعكس صحيح ، ولكني لم أستطيع فكلما توغلت في التاريخ وجدتني أهيم حبًا بناصر و ازداد كرهًا للسادات..هذا طبعًا أسعد والدي –لا عجب هنا- فطالما لا يستطيع أن يشدني إلى صفه فعلى الأقل وجد شيء يغيظني به وقت اللزوم مثلما أفعل معه.

يبدو أن حالتي الناصرية هذه قد جددت ناصرية ماما، أو إنها قد اكتشفت أنها قد أنهت فترة تربيتنا وأصبح لديها من الوقت ما يكفي لأستعادة ناصريتها..


المهم إننا كونا جبهة داخلية ممتازة ضد بابا .. فما أدراكم بماما عندما تستعيد حماسها وعندما تسترجع معلوماتها وثقافتها تصبح حليف ممتاز حقًا لا يشق له غبار..


و بقينا على هذا الحال لسنوات .. كل أكتوبر أحضر الكتاب الجديد وأبدا قراءته والاحتفال وجر شكل والدي بالتغليس على السادات وذكر محاسن ناصر..ونجلس لننتظر سلسلة الأفلام الهابطة الخاصة بحرب أكتوبر في مزيج من الإعجاب بالحرب نفسها لا بالأفلام والسخرية من الأفلام وصانعيها، ورغم ذلك نشاهدها، كل مجموعة الرصاصة لا تزال في جيبي و أبناء الصمت و حكايات الغريب و بدورو أغنية على الممر -هذا الفيلم ليس بسوء الباقي للأمانة- ثم ننهيها بالطريق إلى إيلات -لم يكن سيء ولكننا مللنا يعني الرحمة حلوة- ثم نبدأ في إدارة القنوات للبحث عن أغاني كـ(بسم الله، الله أكبر)، و(أنا على الربابة بغني)، و (يا فناره لفي المينا) ، ومفيش ما يمنع من واحدة (عدى النهار) ولو مرت علينا (عاش ألي قال) ممكن أعديها علشان خاطر بابا بس ، ولكن كفاية عليها تشتغل مرة واحدة في اليوم مش موال هو..


كان كل هذا مغلف بحالة من المرح التي لا أدري سببها الآن، لماذا كنت سعيدة؟ ما كل هذا الانطلاق والشعور بأن الحرب والانتصار يعادوا كل عام في هذا الشهر؟ لماذا كنت أشعرأن لهذه المناظرة وهذه المناقشات بيني وبين والدتي و والدي لها متعة خاصة؟ وأن لهذه الأفلام والأغاني مذاق حلو حقًا داخلي؟!!


الآن لم اعد أشعر بكل ذلك، أشعر أن هناك من غش الأيام.. لم يعد لشهر أكتوبر ذات المعنى بل غُلف بالمرارة، غلف بالألم، لم تعد هناك لذة للمداعبات مع والدي وصنع حزب ناصري مع والدتي ضد والدي الساداتي، حتى والدي ذاته لم يعد يغضب عندما أحاول أن اجر شَكله كالمعتاد بحكم العادة فقط..


لقد أصبحت هناك مرارة دائمة داخلنا، فعبد الناصر مات بخيرة وشره و السادات مات بشرة -ولو كان ليه خير وإن كنت اشك- ولكننا نعيش هنا هذه الأيام مع الشر فقط..


حتى الذكرى أصبحت تجر علينا الألم و تشعرنا بالاختناق، تشعرنا أن هذه الأيام بكل ما كان بها في حلوها ومرها كانت تتحرك كان هناك شيء يحدث وأناس تفكر وآخرين يتكلموا ،أشخاص كانت لهم رؤى سواء أصابت أم أخطأت ولكن في النهاية كانوا يريدون صنع شيء..


أما الآن فهناك حالة من التخلف العقلي لحقها حالة من (ألي يلحق حاجة يشيلها وخلي البلد تولع)..


لم اعد اعرف كيف يمكن أن احتفل بأكتوبر هذه الأيام.. لم يعد في داخلي الطاقة سوى على التحسر على الماضي فقط..


أشعر إننا نحتاج لنصر حقيقي ولكن هذه المرة على المحتل الداخلي و ليس الخارجي، نحتاج لثورة جديدة أيًا كانت نتائجها فعلى الأقل نخرج من حالة الموات التي نعيشها الآن..


رحم الله شهداء أكتوبر وأكرم الله أبطالها لقد صنعوا مجدًا وتاريخ ولكن لأناس لا يستحقوا فلم نعرف كيف نستفيد مما صنعوا..